أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

643

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« أُجِبْتُمْ » مبنيا للفاعل والمفعول محذوف أي : ماذا أجبتم أممكم حين كذّبوكم وآذوكم ، وفيه توبيخ للأمم ، وليست في البلاغة كالأولى . وقوله : إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ كقوله : « إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » في البقرة « 1 » . والجمهور على رفع « عَلَّامُ الْغُيُوبِ » ، وقرىء « 2 » بنصبه وفيه أوجه ذكرها أبو القاسم وهي : الاختصاص والنداء وصفة لاسم « إنّ » قال : « وقرىء بالنصب على أنّ الكلام قد تمّ عند قوله « إِنَّكَ أَنْتَ » أي : إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره ، ثم انتصب « عَلَّامُ الْغُيُوبِ » على الاختصاص أو على النداء أو هو صفة لاسم « إنّ » . قال الشيخ « 3 » : « وهو على حذف الخبر لفهم المعنى ، فتمّ الكلام بالمقدّر في قوله « إِنَّكَ أَنْتَ » أي : إنّك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره » ثم قال : « قال الزمخشري : ثم انتصب فذكره إلى آخره » فزعم أنّ الزمخشري قدّر ل « إِنَّكَ » خبرا محذوفا ، والزمخشري لا يريد ذلك البتة ولا يرتضيه ، وءنما يريد أنّ هذا الضمير بكونه للّه تعالى هو الدالّ على تلك الصفات المذكورة لا انفكاك لها عنه ، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه البلاغة والذي غاص عليه أبو القاسم ، لا ما قدّره الشيخ موهما أنه أتى به من عنده . ويعني بالاختصاص النصب على المدح لا الاختصاص الذي هو شبيه بالنداء ، فإنّ شرطه أن يكون حشوا . ولكنّ الشيخ قد ردّ على أبي القاسم قوله « إنه يجوز أن يكون صفة لاسم « إنّ » بأنّ اسمها هنا ضمير مخاطب ، والضمير لا يوصف مطلقا عند البصريين ، ولا يوصف منه عند الكسائي إلا ضمير الغائب لإبهامه في قولهم « مررت به المسكين » مع إمكان تأويله بالبدل وهو ردّ واضح ، على أنه يمكن أن يقال أراد بالصفة البدل وهي عبارة سيبويه ، يطلق الصفة ويريد البدل « 4 » فله أسوة بإمامه واللازم مشترك ، فما كان جوابا عن سيبويه كان جوابا له ، ولكن يبقى فيه البدل بالمشتق وهو أسهل من الأول . ولم أرهم خرّجوها على لغة من ينصب الجزأين ب « إنّ » وأخواتها كقوله : 1845 - إنّ العجوز خبّة جروزا * . . . « 5 » وقوله : 1846 - . . . * خطاك خفافا ، إنّ حرّاسنا أسدا « 6 » وقوله : 1847 - ليت الشّباب هو الرّجيع على الفتى * . . . « 7 »

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 32 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 49 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 49 ) . ( 4 ) انظر الكتاب ( 1 / 395 ) . ( 5 ) صدر بيت وعجزه : . . . * تأكل كلّ ليلة قفيزا انظر الهمع ( 1 / 134 ) ، الدرر ( 1 / 112 ) ، النوادر ( 172 ) . والخبة : الخداعة ، والجزور : كثيرة الأكل ، والقفيز : مكيال . ( 6 ) جزء بيت لعمر بن أبي ربيعة وهو بتمامه : إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن * خطاك خفافا ، إنّ حرّاسنا أسدا انظر الهمع ( 1 / 134 ) ، الأشموني ( 1 / 269 ) ، الخزانة ( 4 / 167 ) ، المغني ( 1 / 37 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 1077 ) ، الدرر ( 1 / 111 ) ، وسيأتي البيت بتمامه في سورة الأعراف الآية ( 54 ) . ( 7 ) صدر بيت وعجزه : . . . * والشيب كان هو البدي الأول انظر معاني الفراء ( 2 / 352 ) .